الراغب الأصفهاني
333
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ولا عوقبت نفس ببلوى وقد رأت * عظات من الأيام بعد عظات إذا بعثت أشياء قد كان مثلها * قديما فلا تعتدها بغتات ومن حقه أن يقلل من اقتناء ما يورثه الحزن ، فقد قيل لحكيم نراك لا تغتم فقال لأني لا أقتني ما يغمني فقده ، فأخذ هذا المعنى الشاعر فقال : ومن سره أن لا يرى ما يسوءه * فلا يتخذ شيئا يبالي له فقدا وقيل لحكيم هل : يمكن الإنسان أن يعيش آمنا ؟ فقال نعم إذا احترس من الخطيئة وقنع بماله ولم يحزن بما هو واقع به لا محالة . واعلم أن الجزع على ما فات لا يلم ما تشعث ولا يبرم ما انتكث كما قيل ، وهل جزع مجد عليّ فأجزعا . فأما غم على المستقبل فلا يخلو من ثلاثة أوجه : إما في شيء ممتنع كونه أو واجب كونه أو ممكن كونه فإن كان على ما هو ممتنع كونه فليس ذلك من شأن العاقل وكونه إن كان من قبل الواجب كونه كالموت الذي هو حتم في رقاب العباد ، وإن كان ممكنا كونه فإنه إذا كان من الممكن الذي لا سبيل إلى دفاعه كإمكان الهرم فالحزن له جهل واستجلاب غم إلى غم ، وإن كان من الممكن الذي يصح دفاعه فالوجه أن يحتال لدفاعه بفعل غير مشوب بحزن ، فإن اندفع وإلا تلقاه بصبر جميل وليتحقق معنى قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ « 1 » . ثم قال : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 2 » ، فمن علم أن ما جرى من حكمه وسبق علمه لا سبيل إلى أن لا يكون هانت عليه النوائب ولم يجزع لحلول
--> ( 1 ) الحديد / 22 . ( 2 ) الحديد / 23 .